السهل الممتنع

أبريل 16, 2010

إن حصول كل شي أمر ممكن, ولكن حينما سيحصل شيء فلن يحصل إلا كما ينبغي أن يحصل, أليس كذلك؟ إن هذا منهج مجموعة من الناس يدعون بالعقلانيين, الذين يفترضون عدة فرضيات أو عددا لا متناه منها ثم يرصدون الحالة حتى يروا أيا مما افترضوه سوف يحصل, وبذا يكونون قد عرفوا طريقة حدوث شي من عدد لا متناه من الأشياء بطريقة من إحدى الطرق التي افترضناها نحن, فهل هذا يعد صوابا أم مضيعة للوقت؟ لقد سألت نفسي عن كل شي تدانى إلى علمي, وجعلتُ الإجابات تأتي بأونها دون أن استعجلها ولكن بالرغم من هذا الشيء فإن عالم الظنون الذي نعيش والذي يكاد ينعدم فيه اليقين, يلزمنا بالظن في كل شيء (اليقين متَّبَع, ومن يتَّبِعِ اليقين وكان هذا الشيء يقينا حقا فإنه لن يضل) ومن يتبع الظن فإن احتمال ضلاله من هداه كاحتمال بعث أحد الأشخاص لكي يسير في درب متشعب لا يعلم منتهاه ثم تركه يتحرى فإن نسبة الوصول إلى بر الأمان فيه واحد بمئة المليون, هذا إذا افترضنا أنه ثمة من بعده بر أمان , فهل نحن مع كل الظنون مهيؤون لأن نصل إلى الحقيقة؟
طالما ولجنا في الحياة الدنيا صار لزاما علينا معرفة أنه, كلما عرفنا مسارها ونمط العيش فيها أكثر, ازداد إيماننا بالمادة وابتعادنا عن الغيب, فوهم البرهان الذي يشغل عقولنا كلما تعلمنا أسلوبا حياتيا جديدا يجعلنا رافضين لكلما هو تجريدي بل نصير نربط التجريد بالمادة كرديف لها, أي أن التجريد نستفيد منه في حياتنا المادية لكي نحقق نجاحات تلو النجاحات وإنجازات تلو الإنجازات, وحينما تتحول المسألة إلى مادية بحتة, تقترب المعاني من بعضها البعض وتنعدم الفروق الإنسانية المميزة لكل مرء عن الآخر, ويصير الثابت ليس هو المقدس, بل الثابت هو الطبيعة الملموسة المعروفة, وهذا حال المتدينين الجدد, وتقارُبُ المعاني من بعضها البعض ينشئ تضاربا مفهوميا يصل حد التضاد, كالذي بين مبدأ المسلمين الروحاني التجريدي أولا والمادي ثانيا مع مبدأ الأوربيين الإلحادي المادي أولا والميتافيزيقي ثانيا, يهزم فيه الماديون الروحانيين لبرهة وذلك لأن الروحانيين اعتقدوا أنهم بالسلطان الذي كانوا يمتلكونه يستطيعون إخضاع الآخر الملحد بدون بينة, ولكن ما نسيه إخواننا الروحانيون (وهم سليلوا علم مُتَوَارَثٍ سواءٌ بالتواتر أو بكونه تَرِكَة أبوية) هو أن البينة ذاتها لا يعلمون ما لبها وما قشورها وذلك بالتباس ماهية التهم عليهم, فيضيعون عن فقه الأولويات, ولثقل التراث وسلطان العرف الخفي, يشق عليهم استثناء معظم أقوال السابقين بالرغم من أنها من معطيات عصر سابق, مع أن عصرنا يتطلب معطيات أخرى, لهذا يفلشون في اجتذاب أبناء جلدتهم ناهيك عن المنشقين, فإذا يتوجب عليهم حلين لا ثالث لهما.
الأول: هو إيجاد بنية فكرية معاصرة دؤوبة قادرة على تفحص كل هذا التراث وتفنيده ثم استثناء سخيفه وما لا يصلح لزماننا واستجلاب وإعلاء وإعادة صياغة لما يفيدنا بروح لن نقول أنها نقدية بقدرما أنها حكيمة تضع الأمور في نصابها, هذا الحل يتطلب ميزانيات دول ورفاها فكريا وحرية عقلانية وأيضا وهو الأهم, دراية بكل الأنماط الفكرية القديمة والحديثة والمعاصرة لدى الآخر لكي نستطيع مجابهته بمنهجيته, هذا ما لا نقدر عليه الآن لأسباب, أولها أننا منبهرون بالغرب وبالتالي عاجزون عن مجابهته. ثانيها تقبلنا للظلم وذلك بسب الجهل المتراكم منذ ستمئة عام, ثالثها انهيار الكيان الموحد الذي كان يجمعنا وذلك بسقوط الدول العثمانية.
وأما الثاني فهو انتظار ما سيفعله بنا العدو فعلى نتائج وآثار فعله بنا نبني قاعدة فكرية تابعة له كالذي حصل مع اليابانيين بعد الحرب العالمية الثانية وحينئذ أقول, ولست على ما أقول من النادمين: أن خطبا ما عظيما سوف يحصل لنا إن لم نتدارك الأمر, فانسياقنا نحو العدو ليس فيه النجاة بل إنما هو سلوان قصير سندفع ثمنه لاحقا وويل لنا مما ينتظرنا.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.