الحياة واسعة
أبريل 16, 2010
فانتق ما تستطيع إتقانه, إنها كلمة قابلة للنقد من عدة نواح ولكن حينما تدمج عدة مفاهيم مع بعضها البعض فإنك ستنتج حقبة إنسانية جديدة, قد تتطاول في الحيز الزماني أو قد تتقاصر, فحينما تأتي لجدلي بالفطرة تقول له هذه الكلمة فقد يرد عليك: لا تحسبْ أنك قد أوتيت جوامع الكَلِم, فأنا استطيع أن أنتقي ما لا أتقنه وأُكْرِه نفسي عليه ثم أتقنه, فإذا كان هذا رده فلن نكثر في الجدل وإن كان الرد عليه بأننا في عالم نريد بناءه على أسس صحيحة فإذا ينبغي علينا إبداء طاقاتنا وتفريغها فيما نتقنه مهما قل أو كثر وبحسب همتنا واستطاعتنا ننجز ونصوغ قِيَمَا لكي نجعل من لم يتقن شيئا بَعْدُ يعرف معنى الإنجاز وتصعيد الطاقات فيصير محور حياته العمل على معرفة الشيء الذي يستطيع إتقانه فتراه يصنع أشياء كثيرة ولكنه يبدع في أمر واحد ومن لايبدع تراه ينتج ومن لاينتج تراه ينآى بنفسه عن الجميع الدؤوب لأنه لا يملك بين ظهرانيهم مكانا.
لن أتحدث بلغة تنظيرية كثيرا فيكفي أن يدرك النخبة ما يتقنون حتى يبرعوا فيه فترى الناس يتبعونهم لأنهم بطريقة أو بأخرى قدوة لغيرهم.
مفاهيم الإتقان عند أمة تؤمن بالله وبما أمرنا أن نؤمن به لاتختلف في جنسها ولا ماهيتها بل تتسامى عمن سواها وتجعل نفسها قدوةً لغيرها, وتختلف في غايتها المتسامية سواء كانت أفعالا آنية أم مستدامة, فالله سبحانه وتعالى هو الغاية ورضاه هو ما ينشده العبد, فمهما أتينا وعن أي شيء انتهينا فإننا ننشد بما نسلك وننتهج مرضاة الله, ومرضاةُ الله معروفة بالإتيان بالطيبات والاتنهاء عن الخبائث مهما استتبعتنا الأهواء أن نتبعها, وهذا ما يحتاجُ لقالَب معقد في تكونه البسيط, فهو ليس معقدا بذاته بل معقد بطرائق اصطناعه, فهو كما سبق وذكرنا في فقرة السهل الممتنع يحتاج لميزانيات دول, وآلية إنشائه لا تحتاج لأناس عباقرة بقدرما تحتاج لأناس مخلصين غيورين, مخلصين لله كل أعمالهم وغيورين على رسولهم ودينهم وقومهم المسلمين, فالعدة دوما لاتكون بالمادة وحدها بقدرما تكون باستشعار ثقل الأمانة وأدائها على أتم وجه, ولهذا تجد المسلمين متلكئين في مصير أمتهم ينشدون الفرج بقدوم المهدي.
إن التغيير يحتاج لأجيال وأحقاب, وعصر التغيير بسنين قصيرة عدة انتهى مع وفاة الرسول المصطفى عليه فضل الصلاة والسلام, لأن المعجزة في ديمومة هذه الرسالة واتضاح إلهيتها تجلت في سرعة قلبها للواقع الذي كان فنظمت بقليل الزمان إنسانية أخرى وعصرا آخر غير الذي كان من قبل, فصار على ألسن الجميع, ما قبل الهجرة ومابعد الهجرة, أو ما قبل الفتح وما بعد الفتح.
أما الآن فلقد أتى العصر الذي دعاه الله عصر الغي حينما قال سبحانه وتعالى: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا.
وبهذا العصر من الصعب إنشاء ثورة إنسانية مسلمة, فقد أوصى الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه أنه إذا أدرك الفتن ـــ كالتي نعيش في هذه الأيام ـــ : أمسك عليك لسانك, وابك على خطيئتك, وليسعك بيتك.
ولكن هذا الحديث الشريف لا يمنعنا عن الإصلاح في الأرض, فالدأب في سبيل الله في كل العصور هو الخير المنشود لكنه يحتاج لثبات عظيم وعصبة لا لأفراد. أما إذا كان المرء وحيدا فتوجب عليه اتباع قول الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث, وإنَّ قَدَرَ الله على العباد عام غير خاص, فلقد قال الله سبحانه وتعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. وكذلك قال عز من قائل: أَحَسِبَ الناس أن يُتْرَكُوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون.
لعمري إن هذا الكلام يدلنا على أننا نعيش في حياة إن لم ننهج الصراط المستقيم ونطلب الهدى من الله في كل خطوة من خطوات حياتنا فإننا حتما إلى جهنم سائرون. إذ أن أعظم فرض علينا هو أداء حق الربوبية لله تعالى في أدق ساعات الفتن وأثقلها على النفس وأعظمها على مصير كل إنسان ادعى صفة الإيمان, فإن درب الإيمان صعب يحتاج فيه المرء للحكمة والإخلاص والصدق والهمة واليقين بما وعد الله والتنازل عن كلما تهوى النفس في الحياة الدنيا إذا كانت إرادة الله تعالى للمؤمن أن يتنازل, فقد قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله والناس أجمعين.
أفنحن قادرون ومستعدون وصادقون مع ذواتنا؟ إذا كنا كذلك فإن وعد الله آت, وإذا كنا غير ذلك فلا نلومن إلا أنفسنا, والله المستعان.