ما أريدُ قولَهُ

مارس 26, 2010

السلام عليكم سادتي القراء.
إننا نحن المسلمون لأكثرُ الناسِ استعصاءً على الفهم حتى من قِبَلِ أنفسنا, وهذا ما دفعني لكي أقضي جل أوقات حياتي لكي أبحث عن مكمن الضعف في أمة وُصِفَتْ بأنها خير أمة أخرجت للناس بنهيها عن المنكر وأمرها بالمعروف, ولهذا فستجدون أن معظم ما شرعْتُ في كتابته ينتمي لكل الزمر والفئات وبذات الوقت لا ينتمي لأي واحدة منها لأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
إن نَعْتَ الشرع المسلم بالشرع الحنيف يحتم علينا مبادئَ متكاملةً لا تتدانى لأن تكون قابلة للهدم على يد من عاداها, وهذا أيضا يحتم علينا استحداثَ فضاءٍ حكيم قوي مدرك, تعرفُ أولَهُ بآخرِهِ وتعي آخرَهُ بأولِهْ, لا تنازع فيه ولا اقتراب للتناقض والنكوص في قلبه لأنه إن كان هكذا فإنه يَخْرُجُ عن ماهيته الكونية التي تُسيِّدُهُ على شتى القيم الأخرى وتبعده عن صفته المهيمنة على ما كان قبله وإلهامه لما أتى من بعده.
وأول قضية قد تؤرق معظم المسلمين ومستشرقيهم هي قضية حاكمية الشرع المسلم وقدرته على تسيير شوؤن الناس في شتى الأمور على سائر الأحوال, من هنا نجد لَفْظَ المسلمين المعاصرين لتلك الحاكميَّةِ من قلوبهم وأفئدتهم بالرغم من بقائها فترة تنوف عن الألف والمئتي عام والتي صاغت مجتمعاً مسلماً قادراً على الإستمرار والبقاء أجيالاً متعددةً, أما مايحدث الآن من عزل للدين بدعوى انعدام أهلية القيمين عليه, تارةً بحجة أنهم ظلاميون أو أنهم متخلفون رجعيون أو بدعوى أنهم إرهابيون, دعونا من كل تلك الاتهامات فهي تطلق جزافا من أفواه عدوة تجيب عليها ألسنة أعيتها كثرة تلك الأفواه, فنرى من يعتبرون أنفسهم قيِّمين على الشرع ـــ بعد أن صاروا منبوذين ـــ يجيبون المتعلمنين بلغة يعتبرها أولئك لغةً ثيوقراطية بحيث أنهم يحذرونهم من العذاب الأليم في الآخرة وأولئك لا يعترفون بالآخرة ولا بكلامهم, ثم يأتي المسيحيون لكي يسموهم تارةً كفاراً وتارة أخرى ذميين وأحيانا كتابيون وحديثا غيرَ المسلمين ـــ بالرغم من كونه مصطلح فيه عجمة ـــ ولهذا فتجد فيهم تخبطا يجعل أشباه المثقفين منبهرين بما يملكه الغرب من أدوات كلامية لم نعهد نحن المسلمون استخدامها منذ عهد نبوغنا المنسلخ منذ ستمئة عام, فتراهم يركضون نحو ذلك الذي يحسبونه تنويرا لكنه ثوب صَرْعَتُهُ ليست لأمثالنا, لأن تراكبية الإنسان النفسية تجعله ميالا لما يشعره بالطمأنينة بالاستناد للطبقة الإجتماعية التي ينتمي إليها, فالفقير ينشد الطعام حتى يسد رمقه فيكون بيعه لما تسمى بالمبادئ بكسرة خبز يعطيها إياه مَن يَهُمُّه بُعْدُهُ عن هذا المبدأ, أما إذا كان فوق الفاقة بقليل فيُحارب بالأمن حتى يُقَدَّ مضجعُهُ ويُنْتَهَكَ عِرْضُهُ فتتزعزع ثقته بذلك المبدأ الذي ـــ كما ينبو إلى فهمه ـــ لم يحمه من عدوان هذا العدو فيحيد عن الدين في قلبه ويبقى منحصراً بأعمالٍ جسمانيةٍ يوهم الآخرين بها أنه على هذا المبدأ ولكيلا تتنازَعُهُ حمى صحوة الضمير بأن يكون سببا في إضلال أبنائه فيتركهم يصنعون ما يريدون ويجعل تأثيرَهُ عليهم بالإيحاء التربوي, أمَّا من لم يدْنُ شرُّ الفتنة منه بالجوع والخوف فتجد الحِرَابَةَ من قِبَلِ العدو له على مستوى الفكر, فنضوب معظم المعائن الفكرية المسلمة لقلة جدوى ذلك الفكر بالنظر إلى عقول رعاته, وانعدام الإنفاق في سبيل ذلك الفكر لماهية القيمين على المال بصفتهم أراذل القوم (من قطاع طرق نشؤوا وتربوا في أحضانٍ لا ترعى قِيَمَ من ركبوا فوق ظهورهم) فتراهم إن دفعوا المال فمن أجل دينٍ انتقوا ما يصونُ في جنباته حُكْمَهم ثم رعوه ومولوه بطريقة تبدو على شكل منح وهبات وقد علموا بعد أن جعلوا عليه عاملين من غلمانهم أن المرء الجائعَ عَبْدٌ لواهبه, فإذا ما نَمَتْ لذلك الجائع أشباه أظافر وعمد إلى تفنيد ما لم يطلبه منه ولي نعمته أن يفنده تجد ولي النعمة هذا يسحب البساط من تحت أرجل ذلك المستشبع لكي يبدو كما ينبغي عليه أن يبدو, مجردَ أجيرٍ حظه من الدنيا أن يكون أسيراً لسادةٍ هم صانعوه.
أما من أراد أن يقوم بأمر هذا الدين فإنه إن لم يتحل بصفات منها التحلل من ربقة ظالم أو معتد واعتماد ما أمرَ اللهُ به أن يُعْتَمَدَ من المال الحلال الطيب, فَلْيَحِدْ عن هذا الدرب لأنه لم يُخْلَقْ له.
يصعب علينا فهم الإنسانية والنظر إليها نظرةً أُحاديَّةً حتى يكون ناتج فهمنا لتلك الإنسانية دافعاً يمكننا القفز فوق الذي نعتبره مثبطاً لنا, وهذا وبحق من دون السند الإلهي لا يتحقق لأن الدين دين الله وسنة الكون قد أحدثها الله ونحن ليس لنا من الأمر إلا أن نكون أهلاً لتسميتنا بالمسلمين وألا نكون مثبطين مقوضين لدعائم هذا الدين الحنيف بجهلنا المتراكم وعجزنا المتفاقم, ولو أننا في عصرٍ تفيد فيه جوامع الكلم لأجزنا في اللفظ ولكن الفتنة عمت الخلق وطالت وأحدثت ماتصبو إليه من افتراق وفلق جعلنا شيعا نذيق بعضنا بأس بعض.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.