رسالة الهوى
يناير 22, 2010
بقدرما تغتر بنفسك بقدرما تبتعد عن الحقيقة, لأن عصر الفتنة والضياع الذي نعيش لا سبيل فيه لإحداث أي تغيير طالما أن الغرور صفتنا الملاصقة لنا نحن المسلمون. إن كثرة الأرزاء التي تحيط بنا تنشئ أنواعا شتى من الاستجابات القلبية والعقلية والإنفعالية الحركية فتهيئ لطرق جديدة من تفاد لتلك الأرزاء لا تهدف للإنهاء عليها بالمطلق وحماية الذات والكل المسلم منها بل هي عبارة عن تفانين من أجل النفاذ بالذات من تلك المعضلة فحسب دونما بحث عن الدواء والعلاج لتلك المصيبة.
هذا يجعلنا ننحو بحديثنا نحو الفردية التي تصبغ واقع حياتنا المعاش نحن المسلمون, قد نصاب بالذهول إذا وصفنا مجتمعنا بأنه فردي متقوقع ينشد فيه كل مرء حصيل مايريده هواه بشتى السبل, وللأسف فإن تلك الأهواء تمثل ذوات المسلمين مجتمعين, وصراع الهوى قذر ومتعب. لماذا نرسم كل تلك الصورة المقيتة القاتمة لمجتمعنا بالرغم من حديث رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام: لايؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما أرسلت به. أي أن الهوى عندنا معشر المسلمين محكوم بالإسلام, فلماذا تهول تلك المسألة؟ إنما أردانا ـــ بالرغم من المحجة البيضاء التي تركها لنا رسول الله ـــ هو فهمنا المتقزم لمقصد الشرع, فعقدة الإنبهار بالغرب الذي هجر دينه حتى صار قائدا للبشرية مازالت تنال من عقليتنا المصابة بتنازع بين تراث يحتاج إلى تفنيد ونص مقدس أتانا من عند الله ورسوله وانحلال فكري واجتماعي نعايشه بشتى تفاصيله, لكن رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام قال أيضا: علماء أمتي كانبياء بني إسرائيل. وهذا يعني أن تفسير الدين وفهم مقصد الشرع منوط ابتداء بالعلماء المجتهدين المستنبطين الذين يحملون فكرا وعلما ودينا وحكمة وصلاحا وتقوى ومهابة, ومِثْل أولئك صعب تواجدهم في هذا المحيط الهائج المائج بالفتنة والضلال.
ما لا أريد إضاعة فكرته هو أن دين النصارى لايلبي حاجات المجتمع لأنه محرف ودين اليهود لم يكن من بعد أنبياء بني إسرائيل إلا أسيرا لمن يشترون بآيات الله ثمنا قليلا, أما الإسلام فنستطيع أن نقول أنه هو الدين الأصيل الوحيد الموجود, وهو الأصيل بمصدريه القرآن والسنة وكلاهما كانا منزهين ومازالا وسيبقيان عن أي تحوير أو تحريف. فعندئذ يتضح لنا أن الإسلام هو جوهرة سقطت في طين وسخام ضلالات البشر ولكنها لم تتكدر لأن الله سبحانه وتعالى حفظها: إنَّا نحن نزَّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون.
أما قضية الهوى فإن الحديث أراد أن يفهمنا أن هوانا هو تابع للدين, والإنسان متحكم بهواه باتباع الدين فمهوى القلب عند المؤمن هو ما ارتضاه الله له. وأما حينما تنعدم قيادة الدين ورشد الإنسان المسلم للهوى يغدو منبهرا بالضلالات التي تدور حوله فيتبع مايراه صوابا والمرء بدوره يتبع ذلك الهوى فالأصل في الأمر هو من المتبع ومن المتبع.